محمد بن علي الشوكاني
1303
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، وأصلي وأسلم على رسولك وإلى رسولك . - قلتم أدام الله فوائدكم - في سؤالكم النفيس ما لفظه : أشكل ما ذكره الزمخشري ( 1 ) في تفسير قوله - عز وجل - : { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ } ( 2 ) . قال الزمخشري ( 3 ) : فإن قلت كيف عطف ( أمرت ) على ( أمرت ) ، وهما واحد ؟ قلت :
--> ( 1 ) في تفسيره ( 3 / 341 ) ( 2 ) [ الزمر : 11 - 12 ] ( 3 ) في الكشاف ( 5 / 295 - 296 ) : قال { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ } بإخلاص الدين { وأُمِرْتُ } ، بذلك ( ل - ) أجل { لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ } ، أي في مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة ، والمعنى : أن الإخلاص له السبقة في الدين ، فمن أخلص كان سابقا ، فإن قلت : كيف عطف ( أمرت ! على { وأُمِرْتُ } وهما واحد ؟ قلت : ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما ، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه لشيء ، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء ، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين ، ولك أن تجعل اللام مثلها في أردت لأن أفعل ، ولا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح ، كأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه ، كما عوض السين في اسطاع عوضا من ترك الأصل الذي هو أطوع ، والدليل على هدا الوجه مجيئه بغير لام في قوله { وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ } يونس : 72 ، { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ يونس : 104 ] ، { أمرت أن أكون أول من سلم } [ الأنعام : 14 ] . وفي معناه أوجه : أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي ، لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها ، وأن أكون أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاما وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ، لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعا ، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون . مما لا يفعلون ، وأن أفعل ما أستحق به الأولية من أعمال السابقين دلالة على السبب بالمسبب يعني : أن الله أمرني أن أخلص له الدين من الشرك والرياء وكل شوب ، بدليلي العقل والوحي فإن عصيت ربى . بمخالفة الدليلين ، استوجبت عذابه فلا أعصيه ولا أتابع أمركم ، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه . فإن قلت : ما معنى التكرير في قوله : { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } وقوله : { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي } . قلت : ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله لإحداث العبادة والإخلاص . والثاني : إخبار بأنه يختص الله وحده دون غيره بعمادته مخلصا له وفيه ، ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة وأخره في الأول فالكلام أولا واقع في الفعل وإيجاده ، ثانيا فيمن يفعل الفعل لأجله ولذلك رتب عليه قوله : { فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ }